سيد محمد طنطاوي
547
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( لا أَبْرَحُ ) * أي : لا أزال سائرا . ومنه قوله - تعالى - لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْه عاكِفِينَ . من برح الناقص . قال الجمل : واسمها مستتر وجوبا ، وخبرها محذوف ، تقديره : لا أبرح سائرا ، وقوله * ( حَتَّى أَبْلُغَ ) * . . غاية لهذا المقدر . ويحتمل أنها تامة فلا تستدعى خبرا ، بمعنى : لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه حتى أبلغ . . » « 1 » . و * ( مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ) * : المكان الذي فيه يلتقى البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط . قال الآلوسي : والمجمع : الملتقى ، وهو اسم مكان . . والبحران : بحر فارس والروم ، كما روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما وملتقاهما : مما يلي المشرق ولعل المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما . . وقيل البحران : بحر الأردن وبحر القلزم . . » « 2 » . وقال بعض العلماء : والأرجح - واللَّه أعلم - أن مجمع البحرين : بحر الروم وبحر القلزم . أي : البحر الأبيض والبحر الأحمر . ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح . أو أنه مجمع خليجى العقبة والسويس في البحر الأحمر . فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ، وعلى أية حال فقد تركها القرآن مجملة فنكتفى بهذه الإشارة » « 3 » . والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك لكي يعتبروا ويتعظوا وقت أن قال أخوك موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون ، اصحبني في رحلتي هذه فإني لا أزال سائرا حتى أصل إلى مكان التقاء البحرين ، فأجد فيه بغيتي ومقصدي ، « أو أمضى » في سيرى « حقبا » أي : زمنا طويلا ، إن لم أجد ما أبتغيه هناك . والحقب - بضم الحاء والقاف - جمعه أحقاب ، وفي معناه : الحقبة - بكسر الحاء - وجمعها حقب - كسدرة وسدر - والحقبة - بضم الحاء - وجمعها : حقب كغرفة وغرف - قيل : مدتها ثمانون عاما . وقيل سبعون . وقيل : زمان من الدهر مبهم غير محدد . والآية الكريمة تدل بأسلوبها البليغ ، على أن موسى - عليه السلام - كان مصمما على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة في سبيل ذلك ، ومهما يكن الزمن الذي يقطعه في سبيل
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 32 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 312 . ( 3 ) في ظلال القرآن ج 15 ص 2287 للأستاذ سيد قطب .